المقريزي
214
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
أن يمضيه ثم يقدّم إليه المراسيم والأمثلة فيعلّم عليها ، ويمد السماط بين يديه ، فيأكل كما جرت به العادة السّلطانية في المواكب . فإذا انفضّت الخدمة قاموا إلى دورهم فكان النّاس يتوقعون عود الفتنة بين شيخ ونوروز إلى أن اختار نوروز من تلقاء نفسه أن يكون نائب الشّام ، وخلع عليه فانفرد الأمير شيخ عند ذلك بتدبير المملكة ، وأخذ جانب الخليفة في الاتّضاع ، وأعيد الجلال ابن البلقيني إلى قضاء القضاة بديار مصر . وكانت الأخبار قد وردت إلى القاهرة بما اتّفق في دمشق فقرئت كتب الخليفة على منابر الجوامع وقد افتتحت بالبسملة وبما نصه : « من عبد اللّه ووليه الإمام المستعين باللّه أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين وابن عمّ سيد المرسلين المفترض طاعته على الخلق أجمعين ، أعزّ اللّه ببقائه الدين ، إلى فلان » وتضمنت أخذ النّاصر فرج . فنودي بذلك في النّاس ودعي له على المنابر بمفرده ، وخرج من دمشق في ثامن شهر ربيع الأول ، ومعه الأمير شيخ في كثير من الأمراء ، وأحوال الخليفة تتلاشى إلى أن قدم القاهرة وشقّ شارعها في ثاني ربيع الآخر ، وقد زيّنت لقدومه حتى نزل بالقلعة ، ونزل الأمير شيخ بباب السّلسلة فصار الخليفة كالمسجون لا ينفّذ له أمر ولا ينال من الملك سوى الاسم والقائم بجميع أمور الدّولة الأمير شيخ . ثم حضر الأمير شيخ بالقصر بين يدي الخليفة ومعه الأمراء وأهل الدولة في ثامنه وعملت « 1 » الخدمة وخلع على شيخ وفوّض إليه الخليفة جميع أمور دولته من غير مراجعته في شيء وأشهد عليه بذلك ، وخلع على جماعته من الأمراء وغيرهم بتعيين الأمير شيخ . وأقام دواداره جقمق عينا على الخليفة وأسكنه معه في القلعة حتى لا يتمكن من شيء . فاستوحش الخليفة من ذلك ، وكثر غمّه وضاق صدره إلى أن تسلطن شيخ في أول شعبان وتلقّب بالملك المؤيد ، ونقل الخليفة إلى بعض دور القلعة ، ووكّل به ، فكانت مدّته سبعة أشهر وخمسة أيام .
--> ( 1 ) في الأصل : « وعلمت » ، خطأ .